وضع الأقليات الدينية غير المسلمة في الجزائر: بين النص القانوني والممارسة
تُعد حرية المعتقد والعبادة من الحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه الجزائر. غير أن واقع الأقليات الدينية غير المسلمة في البلاد، وخاصة المسيحيين البروتستانت، يكشف عن فجوة بين الالتزامات الدولية والممارسة الفعلية على أرض الواقع.
منذ عام 2006، تخضع أماكن العبادة غير الإسلامية لمرسوم رقم 06-03، الذي يشترط الحصول على ترخيص من لجنة وطنية مختصة. لكن هذه اللجنة، بحسب شهادات الكنيسة البروتستانتية الجزائرية ومنظمات حقوقية دولية عدة، لم تجتمع إلا نادراً، ما جعل الحصول على ترخيص قانوني أمراً شبه مستحيل بالنسبة لعشرات دور العبادة. والنتيجة أن مؤمنين يمارسون شعائرهم بشكل سلمي منذ سنوات وجدوا أنفسهم في موقع المخالف للقانون، رغم أن غياب الترخيص لم يكن بسبب تقصير منهم، بل بسبب تعطّل الآلية الإدارية نفسها.
جاء قانون الجمعيات رقم 12-06 لسنة 2012 ليزيد الأمور تعقيداً، حين تُرِكت الكنيسة البروتستانتية الجزائرية دون تسجيل قانوني ساري المفعول، في وضعية أشبه بالفراغ القانوني الذي يهدد استمرارية نشاطها المؤسسي.
وبين عامي 2017 و2019، أُغلقت أكثر من 46 كنيسة تابعة للكنيسة البروتستانتية الجزائرية، بذرائع إدارية وأمنية متعددة. وبصرف النظر عن التبريرات الرسمية، فإن الأثر الإنساني لهذه الإغلاقات كان مباشراً: مجتمعات مؤمنة حُرمت من أماكن تجمّعها الاعتيادية، وعائلات وجدت نفسها تمارس إيمانها في الخفاء أو خارج الأطر الرسمية.
ومع ذلك، يعبّر كثير من المؤمنين عن تمسكهم بإيمانهم رغم الصعوبات، بل ويصف بعضهم هذه المرحلة بأنها اختبار روحي دفعهم إلى تجديد إيمانهم وتماسك جماعاتهم.
هذا الملف يطرح سؤالاً أوسع يتجاوز الجزائر وحدها: كيف يمكن التوفيق بين حق الدولة في تنظيم دور العبادة لأسباب أمنية أو إدارية، وبين التزامها بضمان حرية المعتقد لجميع مواطنيها دون تمييز على أساس الدين؟
للإشارة إلى الجانب الآخر: تبرر السلطات الجزائرية هذه الإجراءات بدواعي تنظيمية عامة تشمل جميع الطوائف، وتؤكد أن حرية العبادة مكفولة دستورياً، وأن الإشكال يتعلق بمطابقة المباني لمعايير السلامة والتنظيم الإداري لا بمعاداة دين بعينه — وهو تفسير ترفضه منظمات حقوقية ترى أن التطبيق غير المتكافئ للقانون يستهدف الأقليات الدينية بشكل خاص.
عماد ب
